حافظ الذهب على موقعه قرب أعلى مستوى في ثلاثة أشهر بعد موجة صعود قوية تجاوزت 5% خلال الأسبوع الماضي، في وقت تحولت فيه الأنظار من مجرد حركة العوائد إلى ما تعنيه تدخلات وزارة الخزانة الأمريكية بالنسبة لمستقبل الدولار والوضع المالي للولايات المتحدة. وارتفع الذهب الفوري إلى نحو 4,627.69 دولار للأوقية، بينما اقتربت العقود الآجلة من 4,683.85 دولار، ليواصل المعدن الأصفر تسجيل أداء قوي للمرحلة الثالثة أسبوعيًا على التوالي. وفي المقابل، شهدت الفضة والبلاتين بعض جني الأرباح، بينما ظل مؤشر الدولار قرب 98.82 نقطة.
العامل الأبرز خلف الصعود الأخير كان قرار الخزانة الأمريكية زيادة مشترياتها من السندات طويلة الأجل، وهو تحرك ضغط على العوائد والدولار في آن واحد. ورغم أن حجم البرنامج نفسه يظل محدودًا أمام سوق سندات أمريكية ضخمة، فإن السوق ركز على دلالته؛ فكلما اتجهت السلطات إلى التدخل للحد من تكلفة الاقتراض، زادت التساؤلات بشأن حرية تسعير سوق الدين وحجم الضغوط التي تتحملها المالية العامة الأمريكية. هذا المشهد منح الذهب دفعة إضافية، خصوصًا مع تجاوز الدين الحكومي الأمريكي 40 تريليون دولار وتراجع الدولار إلى أدنى مستوياته في أكثر من ثلاثة أشهر.
وتزداد أهمية التحركات الأخيرة بعد تصريحات وزير الخزانة سكوت بيسنت بشأن إمكانية توسيع برنامج إعادة شراء السندات، إلى جانب الحديث عن مبادرة تستهدف خفض أعباء الاقتراض الحكومي. السوق لا ينظر إلى المسألة باعتبارها مجرد محاولة لتقليص العوائد، بل باعتبارها اختبارًا لمدى استعداد صناع السياسة للتدخل في منحنى العائد. وكلما زادت هذه القناعة، أصبح الذهب أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن أصل لا يرتبط مباشرة بالمخاطر الائتمانية أو القوة الشرائية للدولار.
كما أن الطلب على الذهب لم يعد يعتمد فقط على تحركات الأسعار قصيرة الأجل. صناديق الاستثمار المدعومة بالذهب سجلت تدفقات قوية، وامتدت التدفقات الإيجابية لخمس أسابيع متتالية، بالتزامن مع استمرار مشتريات البنوك المركزية. ومن الناحية السعرية، نجح الذهب في تجاوز المتوسط المتحرك لـ200 يوم قرب 4,513 دولار، وهو ما يعزز النظرة الإيجابية للاتجاه المتوسط والطويل الأجل، بينما يبرز مستوى 4,700 دولار كمنطقة رئيسية أمام الصعود إذا استمر الزخم الحالي.
وفي الخلفية، تبقى المخاطر الجيوسياسية عامل دعم إضافيًا، مع ترقب الأسواق عقوبات أمريكية جديدة على إيران واحتمال امتدادها إلى جهات صينية. مثل هذه التطورات عادة ما تدفع جزءًا من السيولة نحو الأصول الدفاعية، وهو ما يمنح الذهب دعمًا يتجاوز تأثير الدولار والعوائد. وفي الوقت نفسه، أظهر الذهب قدرة واضحة على الحفاظ على مكاسبه أعلى المناطق التي كانت تمثل دعمًا خلال التصحيح السابق، ما يشير إلى أن السوق ما زال يحتفظ بمراكز شرائية قوية بدلًا من التعامل مع الصعود باعتباره حركة مؤقتة.
أما الدولار، فلا يزال تحت ضغط واضح رغم بعض البيانات الاقتصادية الأمريكية القوية. فتصريحات جولدمان ساكس تشير إلى أن دعم أسعار السندات طويلة الأجل قد يترك العملة الأمريكية كأحد أدوات التكيف الرئيسية، خصوصًا مع حاجة الولايات المتحدة إلى استمرار تدفقات رأس المال الأجنبي لتمويل العجز الخارجي. وهذا يفسر جزئيًا بقاء الجنيه الإسترليني قويًا قرب 1.3650 دولار، في حين واصل اليوان الصيني أداءه الإيجابي مقتربًا من أعلى مستوياته في نحو ثلاثة أعوام ونصف.
وخلال الأيام المقبلة، ستبقى الأسواق شديدة الحساسية لتصريحات مسؤولي السياسة النقدية. كلمة كيفن وارش في جاكسون هول قد تكون أهم حدث بالنسبة للدولار والسندات والذهب، خاصة إذا تطرق إلى الميزانية العمومية أو عمليات إعادة شراء السندات أو مسار أسعار الفائدة. كما سيتابع المستثمرون تصريحات مسؤولي بنك اليابان لمعرفة ما إذا كان البنك يقترب من خطوة جديدة لرفع الفائدة. وفي ظل تداخل المخاوف المالية الأمريكية مع ضعف الدولار وارتفاع الدين واستمرار الطلب الاستثماري والمؤسسي، يظل الذهب في وضع قوي ما دام يحافظ على مستوياته الحالية، بينما يبقى مستوى 4,700 دولار المنطقة التالية التي ستحدد ما إذا كان الصعود سيتحول إلى موجة جديدة ممتدة أم يدخل في مرحلة تهدئة وجني أرباح.
يمكنك الأن الأستفادة من خدمات شركة LDN عبر منصة تداول LDN Global Markets.


