تراجعت أسعار النفط خلال التعاملات الآسيوية مع بداية الأسبوع، بعدما ساهم تحسن تدفقات الخام من منطقة الشرق الأوسط وتحرك دول مجموعة السبع نحو استخدام جزء من الاحتياطيات الطارئة في تهدئة المخاوف الفورية بشأن نقص المعروض. وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت تسليم ديسمبر بنسبة 0.6% إلى 101.62 دولار للبرميل، بينما تراجعت عقود خام غرب تكساس الوسيط تسليم نوفمبر بنسبة 1% إلى 90.19 دولار للبرميل. ورغم الضغوط البيعية، ظلت الخسائر محدودة نسبيًا في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية واتساع نطاق المخاطر المرتبطة بالصراع في المنطقة، وهو ما أبقى علاوة المخاطر حاضرة داخل سوق الطاقة.
وجاء أحد أبرز العوامل التي ضغطت على الأسعار من جانب مجموعة السبع، التي اتفقت على الإفراج عن 100 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية من الاحتياطيات الطارئة، في خطوة تستهدف الحد من تأثير أي اضطرابات جديدة في الإمدادات. ومن المنتظر أن يتم طرح جزء كبير من مخزونات الديزل خلال 20 يومًا، في وقت تواجه فيه الأسواق مخاوف متزايدة بشأن نقص المعروض من المشتقات النفطية مع اقتراب موسم الشتاء في نصف الكرة الشمالي. ويعكس هذا التحرك رغبة واضحة من الحكومات في منع حدوث قفزات حادة في أسعار الطاقة يمكن أن تنعكس على معدلات التضخم وتكاليف النقل والإنتاج.
وفي السياق نفسه، تحسنت صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة من سبتمبر، وتجاوزت مستويات ما قبل الحرب في أكثر من جلسة، وفقًا لبيانات Kpler. ووصلت الصادرات في بعض الأيام إلى نطاق يتراوح بين 19.5 و22.5 مليون برميل يوميًا، بينما بلغ المتوسط المتحرك لسبعة أيام نحو 18.5 مليون برميل يوميًا في الأول من أكتوبر، مقابل متوسط يقدر بنحو 18 مليون برميل قبل اندلاع الحرب. ويشير ذلك إلى أن جانبًا من الصادرات استطاع التأقلم مع الظروف الأمنية من خلال زيادة استخدام مضيق هرمز وبعض مسارات التصدير البديلة، إلا أن المخاطر المرتبطة بالملاحة والشحن لا تزال مرتفعة.
ورغم تحسن تدفقات الخام، تبقى صورة المعروض بعيدة عن الاستقرار الكامل مع استمرار الهجمات في المنطقة. فقد أعلن الحوثيون في اليمن عن استهداف منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية في الرياض ومنطقة خريص باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، ردًا على ضربات تقودها السعودية في اليمن، بينما لم تصدر الرياض تأكيدًا رسميًا للهجمات. وأبقت هذه التطورات الأسواق في حالة حذر، خاصة أن أي اتساع في نطاق الاستهداف لمنشآت الطاقة أو طرق الشحن الرئيسية قد يعيد سريعًا المخاوف بشأن الإمدادات إلى الواجهة.
وفي خطوة لافتة أخرى، خفضت أرامكو السعودية سعر البيع الرسمي لخام العربي الخفيف المتجه إلى آسيا لشهر نوفمبر بمقدار 3 دولارات للبرميل، ليصل إلى خصم قدره 5 دولارات مقارنة بمتوسط عمان ودبي، وهو أوسع خصم منذ يونيو 2020. ويمكن قراءة هذه الخطوة في إطار سعي الشركة للحفاظ على حصتها السوقية في آسيا، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة المنافسة بين الموردين. وفي الوقت نفسه، قررت مجموعة أوبك+ الإبقاء على مستهدفات الإنتاج لشهر نوفمبر دون تغيير، على أن تعقد اجتماعها المقبل في الأول من نوفمبر، وهو ما يعني أن السوق سيظل يراقب تطورات العرض الفعلي أكثر من القرارات الرسمية خلال الفترة القريبة.
أما في سوق المعادن، فقد سجل الذهب ارتفاعًا محدودًا بعدما تعرض خلال الأسبوع السابق لأكبر خسارة أسبوعية له منذ يونيو. وجاء هذا التعافي مع صدور بيانات أمريكية أظهرت تباطؤًا واضحًا في سوق العمل، ما دفع المستثمرين إلى تقليص توقعاتهم بشأن احتمال قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع الفائدة مجددًا خلال اجتماع أكتوبر. وارتفع الذهب الفوري بنسبة 0.21% إلى 4,149.19 دولار للأوقية، بينما صعدت العقود الآجلة بنسبة 0.4% إلى 4,176.97 دولار. كما ارتفعت الفضة بنسبة 1.6% إلى 61.36 دولار، وصعد البلاتين بنسبة 1.1% إلى 1,719.71 دولار، في حين ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.4% إلى 102.31 نقطة.
وجاء الدعم الأساسي للذهب من تقرير الوظائف الأمريكية، الذي أظهر إضافة 29 ألف وظيفة غير زراعية فقط خلال سبتمبر، وهي قراءة جاءت دون توقعات السوق وأكدت تباطؤ وتيرة التوظيف. وساهمت هذه البيانات في تخفيف الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي للتحرك سريعًا نحو رفع جديد للفائدة، خاصة مع تراجع الزخم في سوق العمل. وأصبحت الأسواق تسعر احتمال رفع الفائدة في أكتوبر عند نحو 20% فقط، مقارنة بمستويات اقتربت من 70% قبل أسبوع واحد، وهو تحول واضح في توقعات المستثمرين تجاه مسار السياسة النقدية.
ويصب تراجع رهانات رفع الفائدة في مصلحة الذهب من حيث المبدأ، لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض والعوائد عادة ما يقللان من جاذبية المعدن الذي لا يقدم عائدًا دوريًا. ومع ذلك، لم يتمكن الذهب من تحقيق مكاسب قوية، في ظل استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية ووصول بعض الآجال إلى مستويات هي الأعلى منذ أكثر من عقدين. كما أن صعود الدولار يشكل بدوره ضغطًا إضافيًا على المعدن، لأن قوة العملة الأمريكية تجعل الذهب أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى.
وتأتي هذه التطورات بعد شهر صعب للذهب، حيث خسر المعدن أكثر من 6% خلال سبتمبر، في أكبر تراجع شهري منذ يونيو. وكان السبب الرئيسي وراء هذا الأداء هو القلق من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى إبقاء معدلات التضخم مرتفعة لفترة أطول، وبالتالي يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الحفاظ على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة. ومع ذلك، حاول عدد من مسؤولي البنك المركزي الأمريكي تهدئة توقعات السوق بشأن رفع وشيك للفائدة، وهو ما أعاد بعض التوازن إلى تحركات المعدن.
وتتجه الأنظار حاليًا إلى محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لشهر سبتمبر، الذي من المنتظر صدوره خلال منتصف الأسبوع، للحصول على إشارات أوضح بشأن رؤية صناع السياسة لمسار الفائدة خلال الأشهر المقبلة. ويكتسب المحضر أهمية إضافية بعدما شهد الاجتماع الأخير أول رفع للفائدة منذ ثلاث سنوات، ما يجعل المستثمرين أكثر حساسية لأي تفاصيل تتعلق بمخاوف التضخم أو تقييم أعضاء البنك لسوق العمل والنمو الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، لم تختف ضغوط التضخم المرتبطة بالطاقة. فاستمرار ارتفاع أسعار النفط في ظل اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط يظل عاملًا قد يحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تبني موقف أكثر مرونة. وفي اليمن، بدأت قوات مدعومة من السعودية عملية تستهدف استعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون المدعومون من إيران، وهو ما يزيد من المخاوف بشأن استمرار التوترات الإقليمية وتأثيرها على أسواق الطاقة.
ويعني ذلك أن الذهب يتحرك حاليًا بين قوتين متعارضتين؛ الأولى تتمثل في ضعف سوق العمل وتراجع احتمالات رفع الفائدة، وهو ما يوفر دعمًا للمعدن، والثانية تتمثل في استمرار ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار وتجدد مخاوف التضخم بسبب أسعار الطاقة، وهي عوامل تحد من قدرته على الصعود بقوة. ومن ثم، ستظل تحركات الذهب خلال الفترة المقبلة شديدة الارتباط ببيانات الاقتصاد الأمريكي، ومسار عوائد السندات، وتطورات أسعار النفط، إلى جانب أي إشارات جديدة تصدر عن الاحتياطي الفيدرالي بشأن السياسة النقدية.
يمكنك الأن الأستفادة من خدمات شركة LDN عبر منصة تداول LDN Global Markets.


