ارتفع الدولار الأمريكي خلال تعاملات اليوم مستفيدًا من تراجع اليورو وتجدد عمليات بيع السندات الحكومية في وقت تشهد فيه الأسواق إعادة تقييم لتوقعات السياسة النقدية الأمريكية وصعد مؤشر الدولار إلى مستوى 102 نقطة بعد تسجيل أول خسارة أسبوعية له خلال خمسة أسابيع نتيجة انخفاض احتمالات رفع أسعار الفائدة على المدى القريب وجاءت مكاسب العملة الأمريكية بالتزامن مع تصاعد الأزمة السياسية والمالية في فرنسا التي دفعت المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول الأوروبية خاصة السندات الحكومية الفرنسية واليورو.
وشهدت فرنسا موجة احتجاجات واسعة على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الإنفاق على الخدمات العامة تخللتها اشتباكات مع الشرطة وأعمال نهب في عدد من المدن ما زاد الضغوط السياسية على حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون وتزامنت الاضطرابات مع استمرار المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة الفرنسية خاصة مع وصول عجز الموازنة إلى 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات وانعكست هذه الضغوط على سوق السندات حيث اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى 147 نقطة أساس مقارنة بنحو 110 نقاط في أواخر سبتمبر في أكبر اتساع منذ أزمة الديون الأوروبية خلال عامي 2011 و2012.
وانخفض اليورو أمام الدولار بنسبة تراوحت بين 0.24% و0.3% وفقًا لبيانات التداول الواردة في التقارير متأثرًا بارتفاع علاوة المخاطر على الأصول الفرنسية وتزداد حساسية الأسواق للتطورات السياسية مع تزايد الحديث عن فرص مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية المقبلة وموقفها من الاتحاد الأوروبي وهو ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية والسياسية الفرنسية داخل التكتل ويرى محللو ماكواري أن استمرار الاضطرابات قد يدفع المستثمرين إلى مزيد من عمليات بيع اليورو والسندات الفرنسية بينما قد تزيد احتمالات تدخل البنك المركزي الأوروبي إذا امتدت الضغوط إلى النظام المصرفي وتدفقات الودائع.
وشهدت سوق سندات الخزانة الأمريكية تحركات متباينة خلال التعاملات الواردة في التقارير حيث ارتفع العائد على السندات لأجل عشر سنوات في إحدى الفترات بمقدار 4.5 نقطة أساس إلى 5.145% بالتزامن مع انتقال الضغوط البيعية من السوق الفرنسية إلى السندات الأمريكية بينما صعد عائد السندات لأجل عامين إلى 4.776% وفي فترة أخرى تراجعت العوائد مع عودة الإقبال على السندات وانخفاض أسعار النفط ليسجل العائد لأجل عشر سنوات 5.079% مقابل 4.717% للسندات لأجل عامين ويعكس اختلاف هذه التحركات تأثير توقعات أسعار الفائدة والطلب على الأصول الآمنة في تسعير أدوات الدين الأمريكية.
وتتجه أنظار المستثمرين إلى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 27 و28 أكتوبر بعد صدور بيانات تضخم أمريكية أعلى من التوقعات أعادت احتمالات رفع الفائدة إلى حسابات الأسواق قبل أن تساهم تصريحات كيفن وارش في تقليص تلك التوقعات وتشير إحدى قراءات أداة FedWatch إلى احتمال بنسبة 87% لتثبيت الفائدة في الاجتماع المقبل بينما تضمن تقرير آخر تسعير احتمال بنسبة 91% لرفعها في ديسمبر كما ساهم انخفاض النفط بنسبة 2.3% عقب الإعلان عن إعفاء من العقوبات الأمريكية المتعلقة بالطاقة الروسية في تخفيف المخاوف التضخمية ودعم الطلب على السندات.
أما في منطقة اليورو فقد استقر العائد على السندات الألمانية لأجل عشر سنوات عند 3.412% بينما ارتفع عائد السندات لأجل عامين بصورة طفيفة إلى 3.080% مع استمرار توقعات تشديد السياسة النقدية وحذرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد من أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يفرض ضغوطًا إضافية على الأسر والشركات ويحد من قدرة المستهلكين على التعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة ورغم أن تشديد الأوضاع المالية قد يساهم في خفض التضخم إلا انه يزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة وكانت الأسواق ترجح رفع الفائدة الأوروبية بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر لتصل إلى 2.75% بعد زيادتين خلال الأشهر الأربعة السابقة.
وساهم تعافي أسهم شركات الذكاء الاصطناعي في دعم الدولار بعد موجة تراجع أثارت مخاوف المستثمرين بشأن استمرار تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الأمريكية ويرى محللو ING أن اضطرابات قطاع التكنولوجيا أصبحت من العوامل المؤثرة في توقعات السياسة النقدية تجاه الأسواق مع تراجعات الأسهم باعتبارها سببًا محتملًا لتقليص خطط الاحتياطي الفيدرالي لرفع الفائدة حتى في ظل استمرار الضغوط التضخمية وقد يحد هذا الارتباط من قدرة الدولار على الاستفادة من الطلب على الملاذات الآمنة خلال فترات اضطراب الأسهم الأمريكية خاصة إذا صاحب تلك التحركات انخفاض في توقعات العائد على الأصول المقومة بالدولار.
أما علي صعيد العملات فقد تراجع الين الياباني أمام الدولار وسط استمرار الفارق بين توجهات السياسة النقدية الأمريكية واليابانية إلى جانب حذر المستثمرين من احتمال تدخل السلطات اليابانية لدعم العملة وأكد محافظ بنك اليابان كازو أويدا أن التضخم الأساسي يقترب من مستهدف البنك البالغ 2% بدعم من قوة الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي وضيق سوق العمل وتعزز هذه التصريحات توقعات استمرار تطبيع السياسة النقدية تدريجيًا مع بقاء احتمالات إجراء زيادات إضافية في أسعار الفائدة خلال العام قائمة.
وحقق الدولار الكندي مكاسب أمام العملة الأمريكية مدعومًا بارتفاع التضخم وتزايد توقعات استمرار النهج المتشدد لبنك كندا حيث صعد ليتداول بالقرب من 1.4108 دولار كندي وأظهرت البيانات ارتفاع التضخم السنوي إلى 3.1% خلال سبتمبر مقارنة بنحو 3% في أغسطس وإن جاء أقل قليلًا من توقعات الأسواق البالغة 3.2% وكانت أسعار الطاقة العامل الرئيسي وراء تسارع التضخم مع ارتفاعها بنسبة 19% على أساس سنوي بينما قفزت أسعار البنزين بنسبة 27.8%.
وتشير تصريحات محافظ بنك كندا تيف ماكليم إلى احتمال تعديل توقعات التضخم بالزيادة نتيجة استمرار ارتفاع أسعار النفط والمنتجات البترولية مع عدم ظهور دلائل واسعة حتى الآن على انتقال تلك الضغوط إلى بقية السلع والخدمات ويضع ذلك البنك المركزي أمام مهمة موازنة مخاطر التضخم المرتفع مع تأثير تكاليف الاقتراض على النشاط الاقتصادي بينما يظل أداء الدولار الكندي مرتبطًا بتطورات أسعار الطاقة وتوقعات قرارات الفائدة المقبلة.
كن على إطلاع بالأسواق العالمية من خلال تحليلاتنا السابقة كما يمكنك الاستفادة الآن من خدمات شركة LDN عبر منصة تداول LDN Global Markets.


