خفض بنك أوف أميركا توقعاته لزوج الدولار/الين بنهاية العام إلى مستوى 152 بدلًا من 157، في خطوة تعكس تحوّلًا تدريجيًا في نظرته متوسطة الأجل تجاه الين الياباني من السلبية الهيكلية إلى موقف أقرب للحياد، بعد سنوات طويلة من الرهان على ضعف العملة اليابانية.
وقال شوسوكي يامادا، استراتيجي العملات الأجنبية لدى البنك، إن النظرة السلبية تجاه الين بدأت منذ عام 2021، بينما استندت توقعات البنك منذ عام 2022 إلى استمرار ضعف العملة لفترة ممتدة نتيجة التدفقات الخارجة من اليابان. لكنه أشار إلى أن الصورة بدأت تتغير، مع ظهور مؤشرات على تحسن واضح في ديناميكيات التدفقات الهيكلية.
ويرى بنك أوف أميركا أن أحد العوامل الرئيسية التي ضغطت على الين خلال السنوات الماضية، وهي عمليات البيع الهيكلية للعملة، بدأت تفقد زخمها تدريجيًا، في وقت تواجه فيه عملات رئيسية أخرى تحدياتها الخاصة. وبناءً على ذلك، خفض البنك أيضًا توقعاته لزوج الدولار/الين بنهاية 2027 إلى 145 بدلًا من 150، ليصبح التقدير الجديد أقل قليلًا من متوسط توقعات السوق وأسعار العقود الآجلة.
التحول الأبرز في رؤية البنك يرتبط بتحسن الميزان الخارجي لليابان. فعند النظر إلى الميزان الأساسي، الذي يجمع بين الحساب الجاري وتدفقات الاستثمار المباشر، نجحت اليابان في التحول إلى تحقيق فائض، بينما تراجع فائض منطقة اليورو بشكل شبه كامل، في حين لا تزال الولايات المتحدة تعاني من عجز يدور قرب 4% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما لعبت الصادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي دورًا مهمًا في دعم هذا التحسن، بعدما ارتفعت لتشكل نحو 22% من إجمالي صادرات اليابان، وهو ما ساعد على تعويض جزء من العجز المتزايد في الخدمات الرقمية.
وفي السياق نفسه، أشار يامادا إلى أن ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل إلى اليابان أصبح عاملًا داعمًا إضافيًا، بعدما نما بالقدر الكافي لمعادلة التوسع المستمر في الاستثمارات اليابانية المباشرة بالخارج. كما عزز تحسن ترتيب اليابان في مؤشر كيرني لثقة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المركز الثالث عالميًا في 2025، بعد الولايات المتحدة وكندا، من النظرة الأكثر توازنًا تجاه الاقتصاد الياباني.
أما على مستوى العوائد، فيرى بنك أوف أميركا أن أي ارتفاع إضافي في عوائد السندات اليابانية قد يتحول إلى عامل إيجابي للين، بشرط أن تبلغ المخاطر المالية ذروتها ولا تتحول إلى مصدر ضغط جديد. واستند يامادا في ذلك إلى تقلص الفجوة بين القروض والودائع لدى البنوك، إلى جانب تحول العوائد الحقيقية على السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى المنطقة الإيجابية، وهي مؤشرات تعكس أن صعود العوائد بات مرتبطًا بشكل أكبر بتحسن النشاط الاقتصادي، وليس فقط بالمخاوف المالية.
ورغم هذه القراءة الأكثر إيجابية، لا يزال البنك متحفظًا تجاه بناء مراكز شراء مباشرة على الين في الوقت الحالي. فبحسب يامادا، فإن الرهان الواضح على صعود العملة اليابانية يحتاج إلى محفزات أقوى، سواء عبر تحول في السياسة النقدية، أو وصول مستويات الفائدة وسعر الصرف إلى مناطق تدفع صناع القرار للتحرك، إلى جانب تراجع أسعار النفط.
ومن بين المحفزات التي يراقبها البنك خلال الفترة المقبلة: وصول عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3%، أو صعود زوج الدولار/الين إلى مستوى 160، أو هبوط خام برنت دون 90 دولارًا للبرميل. في المقابل، تبقى هناك مخاطر قد تعرقل تحسن الين، أبرزها استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، أو تباطؤ الصادرات اليابانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أو تسارع بيع الأسر اليابانية للعملة المحلية، إضافة إلى اتساع الضغوط المالية داخل الاقتصاد الياباني.
وعلي صعيد الدولار الامركي فقد استقر قرب أعلى مستوياته في ستة أسابيع خلال تعاملات اليوم مع استمرار حالة الحذر في الأسواق تجاه حرب إيران وتداعياتها المحتملة على التضخم ومسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة. وجاء هذا التماسك في أداء العملة الأميركية مدعومًا بتزايد الرهانات على أن استمرار الضغوط التضخمية، خاصة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى إعادة التفكير في رفع الفائدة لاحقًا هذا العام.
ورغم تراجع النفط بشكل محدود بعد إشارات أميركية إلى وجود تقدم في المفاوضات مع إيران فإن خسائر الخام بقيت محدودة بسبب استمرار إغلاق مضيق هرمز وهو ما أبقى مخاوف الإمدادات حاضرة داخل السوق. هذا المشهد ترك المستثمرين أمام معادلة معقدة؛ فمن ناحية هناك حديث عن تقدم دبلوماسي، ومن ناحية أخرى لا تزال الأسواق غير مقتنعة بقرب نهاية الحرب أو تراجع أثرها التضخمي، خاصة بعد أن تسبب الصراع في تعطيل جزء كبير من إمدادات النفط العالمية ودفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة.
كن على إطلاع بالأسواق العالمية من خلال تحليلاتنا السابقة كما يمكنك الاستفادة الآن من خدمات شركة LDN عبر منصة تداول LDN Global Markets.


