عادت سوق السندات الأمريكية إلى صدارة المشهد الاستثماري بعد صعود العوائد إلى مستويات لم تُسجل منذ أكثر من عقدين وهو ما أعاد إلى الأذهان أجواء عام 1999 حين كانت الأسواق تقترب من ذروة فقاعة الدوت كوم فقد وصل عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 5.34% بينما لامس عائد الثلاثين عامًا 5.69% وهي مستويات تضع تكلفة التمويل في الاقتصاد الأمريكي عند نطاقات مرتفعة تاريخيًا ومع أن التشابه مع نهاية التسعينيات يبدو واضحًا من زاوية العوائد وقوة الإنفاق الرأسمالي فإن UBS يرى أن المقارنة تحتاج إلى قدر من الحذر لأن البيئة الاقتصادية الحالية تختلف في عناصر أساسية أهمها التضخم وضع المالية العامة ونمو الاقتصاد.
وفي عام 1999 كانت الولايات المتحدة تحقق فائضًا في الموازنة وكانت وزارة الخزانة تعيد شراء جزء من السندات طويلة الأجل ما أدى إلى تقليص المعروض منها وخفض علاوة الأجل أما اليوم فالمشهد يسير في الاتجاه المعاكس مع عجز يتجاوز 6% من الناتج المحلي الإجمالي وحجم كبير من إصدارات الدين وهو ما يفرض على السوق استيعاب معروض أكبر من السندات ويجعل المستثمرين أكثر مطالبة بعائد إضافي مقابل الاحتفاظ بالآجال الطويلة ولهذا لا يرتبط صعود العوائد فقط بتوقعات الفيدرالي بل أيضًا بعوامل هيكلية تتعلق بالتمويل الحكومي وحجم الاقتراض وارتفاع علاوة الأجل.
أما التشابه الحقيقي بين الفترتين فيظهر بوضوح في دورة الإنفاق الاستثماري ففي نهاية التسعينيات قادت البنية التحتية للاتصالات موجة كبيرة من الإنفاق بينما تقود اليوم استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والرقائق وشبكات الكهرباء وإعادة تصميم سلاسل الإمداد الجزء الأكبر من هذه الدورة والشركات الأمريكية تنفق بكثافة على البنية التحتية التي تسمح بتوسيع قدرات الحوسبة وهو ما يخلق طلبًا مرتفعًا على أشباه الموصلات والطاقة والمعدات الصناعية لكن الفارق أن الاقتصاد الحالي ينمو بوتيرة أبطأ من تلك الفترة فالنمو الحقيقي يقترب من 2.2% مقابل نحو 4.8% في 1999 بينما تظل ضغوط التضخم أعلى نسبيًا.
هذا الاختلاف يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة أكثر تعقيدًا فالتضخم الأساسي لا يزال أعلى من مستهدفات البنك المركزي بينما بدأت بعض مؤشرات سوق العمل والنشاط الاقتصادي في إظهار قدر من التباطؤ ولذلك لا تتوقع UBS أن يكون الاجتماع المقبل بداية لدورة طويلة من رفع أسعار الفائدة خصوصًا بعدما انخفضت احتمالات رفع الفائدة في أكتوبر إلى ما يزيد قليلًا على 20% فقط بعد أن كانت تقارب 70% وقد ساهمت بيانات الوظائف الأضعف وتصريحات أكثر هدوءًا من مسؤولي الفيدرالي في تقليص هذه التوقعات.
ومع ذلك فإن توقف الفيدرالي عن رفع الفائدة لا يعني بالضرورة هبوط العوائد طويلة الأجل بشكل سريع والجزء الأكبر من الضغط الحالي لا يأتي فقط من سعر الفائدة الرسمي وإنما من علاوة الأجل وحجم المعروض من السندات الحكومية وإذا ظلت هذه العوامل مرتفعة فقد تستمر العوائد الطويلة عند مستويات مرتفعة حتى في حال ثبات الفائدة ولهذا يرى UBS أن خفض تكلفة الاقتراض على المدى الطويل يحتاج إلى تحسن ملموس في الإنتاجية أو انضباط أكبر في المالية العامة وليس مجرد تحول محدود في سياسة الفيدرالي.
وفي المقابل لا تزال وول ستريت تظهر قدرًا كبيرًا من القوة رغم ارتفاع تكلفة التمويل فقد أغلق مؤشر S&P 500 عند 7,818 نقطة مسجلًا أول إغلاق له فوق مستوى 7,800 نقطة بينما ارتفع ناسداك المركب إلى 27,599 نقطة ليواصل تسجيل قمم تاريخية للجلسة الثانية على التوالي كما صعد مؤشر داو جونز إلى 51,521 نقطة هذا الأداء يعكس استمرار شهية المستثمرين تجاه الأسهم المرتبطة بالنمو وعلى رأسها شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ولا تزال أسهم أشباه الموصلات من أكبر المستفيدين من هذه الموجة شركات مثل AMD وMarvell وNvidia تستفيد من الطلب المرتفع على الرقائق المستخدمة في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بينما انتقلت الموجة أيضًا إلى شركات الطاقة والبنية التحتية حيث صعود Constellation Energy بعد اتفاق طويل الأجل لتوريد الكهرباء إلى Google يوضح كيف أصبح الطلب على الطاقة جزءًا أساسيًا من قصة الذكاء الاصطناعي لأن التوسع في مراكز البيانات يحتاج إلى قدرات كهربائية ضخمة ومستقرة.
في الوقت نفسه قدم التراجع المحدود في عوائد السندات بعض الدعم للأسهم فقد أنهى عائد السندات لأجل 10 سنوات جلسة الثلاثاء قرب 5.28% بعدما تجاوز 5.35% في الجلسة السابقة بينما تراجع عائد السندات لأجل عامين إلى نحو 4.80% هذا التراجع ساعد على تخفيف الضغط على تقييمات الأسهم خصوصًا أسهم التكنولوجيا التي تكون أكثر حساسية لتحركات العوائد بسبب اعتماد تقييماتها على أرباح مستقبلية بعيدة نسبيًا.
وتتجه الأنظار الآن إلى محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي ونتائج الشركات للربع الثالث حيث سيكون محضر الفيدرالي مهمًا لفهم مدى الانقسام داخل البنك المركزي بشأن الحاجة إلى رفع إضافي للفائدة بينما ستحدد نتائج الشركات ما إذا كانت الأرباح قادرة على تبرير التقييمات المرتفعة الحالية في حال جاءت النتائج قوية واستمرت توقعات الفيدرالي في الميل نحو التثبيت فقد تحصل الأسهم على دعم إضافي أما عودة الضغوط التضخمية أو صعود العوائد من جديد فقد يعيد الضغط على السوق.
وعلى صعيد البيانات الاقتصادية جاء اتساع العجز التجاري الأمريكي ليضيف زاوية أخرى للمشهد فقد ارتفع العجز بنسبة 13.7% إلى 105.6 مليار دولار متجاوزًا توقعات السوق مع قفزة في الواردات بنسبة 4.3% إلى 420.8 مليار دولار واللافت أن جانبًا مهمًا من الزيادة جاء من أشباه الموصلات والآلات الصناعية وهو ما يعكس استمرار الإنفاق القوي على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ورغم أن هذه الواردات تعكس استثمارًا قويًا داخل الاقتصاد إلا أن أثرها الحسابي على الناتج المحلي يظل سلبيًا لأن ارتفاع الواردات يخصم من النمو وتقديرات بعض الاقتصاديين تشير إلى أن صافي التجارة قد يخصم ما يصل إلى 2.5 نقطة مئوية من نمو الربع الثالث لذلك بدأت بعض بيوت الأبحاث في خفض توقعاتها للنمو من مستويات تقارب 4% إلى ما يقرب من 2.5% رغم استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي.
وهذا التباطؤ المحتمل في النمو قد يمنح الفيدرالي مبررًا إضافيًا للتريث لكنه في الوقت نفسه يعزز حساسية الأسواق لأي بيانات جديدة تتعلق بالتضخم أو التوظيف ومع بقاء التضخم فوق المستويات المستهدفة إلا أن البنك المركزي لا يملك مساحة كبيرة للتحرك بسرعة نحو التيسير وهو ما يفسر حالة الترقب الحالية في أسواق السندات والعملات.
وفي سوق العملات تراجع الدولار قليلًا بعد موجة ارتفاع دفعته إلى أعلى مستوياته في نحو 18 شهرًا حيث هبط مؤشر الدولار إلى 101.86 نقطة وجاء التراجع بالتزامن مع هدوء عوائد الخزانة وتعافي اليورو الذي ارتفع إلى 1.1259$ بعد فترة من الضغوط المرتبطة بأزمة السندات الفرنسية حيث استقرار العوائد الأوروبية وتصريحات أكثر انضباطًا بشأن المالية العامة في فرنسا ساعدا على تحسين معنويات المستثمرين تجاه العملة الموحدة.
ولكن وضع فرنسا لا يزال يمثل عامل مخاطرة واضحًا بالنسبة لليورو العجز المالي يدور حول مستويات مرتفعة والدين العام يقترب من 120% من الناتج المحلي الإجمالي بينما وصلت عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى مستويات لم تُسجل منذ أوائل الألفية واتساع الفارق بينها وبين السندات الألمانية يعكس حجم القلق داخل السوق من المسار المالي الفرنسي.
كما ساعدت تصريحات كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي فيليب لين على دعم العملة الأوروبية بعدما أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة لم يتحول حتى الآن إلى موجة قوية من التضخم الثانوي داخل الاقتصاد هذه الإشارة تعني أن البنك المركزي الأوروبي لا يبدو مضطرًا في الوقت الحالي إلى تشديد السياسة بشكل حاد وهو ما خفف جزءًا من الضغوط على سوق السندات الأوروبية.
وفي المجمل تعكس الأسواق حالة توازن معقدة بين أسهم تتداول عند مستويات قياسية وسوق سندات لا تزال تقدم عوائد مرتفعة للغاية حيث يراهن المستثمرون على أن طفرة الذكاء الاصطناعي ستقود نموًا طويل الأجل في الإنتاجية والأرباح لكنهم في الوقت نفسه يراقبون عن كثب أثر تكلفة التمويل المرتفعة والعجز الحكومي والتضخم المستمر.
ولهذا تبدو المرحلة الحالية مختلفة عن 1999 رغم التشابه في بعض التفاصيل فحينها كانت طفرة التكنولوجيا مصحوبة باقتصاد أسرع نموًا ومالية عامة أكثر قوة بينما تأتي طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية في بيئة أكثر تكلفة من حيث التمويل وأكثر ضغطًا من حيث الدين والعجز وهذا يعني أن الاختيار داخل السوق يصبح أكثر أهمية مع أفضلية للشركات التي تستطيع تحويل إنفاق الذكاء الاصطناعي إلى أرباح وتدفقات نقدية حقيقية بدلًا من الاعتماد فقط على التوقعات المرتفعة.
وعلي صعيد سوق الدخل الثابت فتظل الآجال القصيرة أكثر جاذبية نسبيًا ما دامت العوائد الطويلة تعكس علاوة أجل مرتفعة ومخاطر مالية أكبر وفي الأسهم يستمر التركيز على التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة المرتبطة بمراكز البيانات لكن ارتفاع التقييمات يجعل السوق أكثر حساسية لأي خيبة في الأرباح أو عودة جديدة لصعود العوائد والصورة الحالية ليست في عودة مباشرة إلى 1999 لكنها تحمل بعض الملامح التي تستحق المتابعة خصوصًا مع استمرار التداخل بين طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وارتفاع الدين وتحول السياسة النقدية الأمريكية.
كن على إطلاع بالأسواق العالمية من خلال تحليلاتنا السابقة كما يمكنك الاستفادة الآن من خدمات شركة LDN عبر منصة تداول LDN Global Markets.


