شهدت الأسواق المالية الأمريكية تقلبات ملحوظة خلال تعاملات الأربعاء والخميس عقب صدور بيانات التضخم لشهر سبتمبر التي أظهرت استمرار ارتفاع الأسعار بأكثر من توقعات الأسواق ما أعاد احتمالات تشديد السياسة النقدية من جانب الاحتياطي الفيدرالي إلى حسابات المستثمرين وسجل مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعًا بنسبة 0.6% على أساس شهري مقارنة بـ0.4% في أغسطس وهي أكبر زيادة شهرية منذ أبريل فيما تسارع التضخم السنوي إلى 3.7% مقابل 3.4% في الشهر السابق متجاوزًا التوقعات البالغة 3.6%.
كما ارتفع التضخم الأساسي بنسبة 0.3% شهريًا مقابل توقعات عند 0.2% بينما بلغ معدله السنوي 2.6% مقارنة بـ2.4% في أغسطس وجاءت هذه الزيادة مدفوعة بصورة رئيسية بارتفاع أسعار الطاقة حيث قفزت أسعار البنزين بنسبة 9.1% خلال سبتمبر لتساهم بأكثر من نصف الارتفاع الشهري في مؤشر التضخم العام بينما سجلت أسعار الطاقة زيادة سنوية بنسبة 20.4% وهو ما زاد المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة.
وانعكست هذه البيانات مباشرة على سوق السندات الأمريكية حيث ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بمقدار 8.2 نقطة أساس خلال تعاملات الأربعاء من 5.184% إلى 5.266% مقتربًا من أعلى مستوياته في نحو 24 عامًا مع زيادة توقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول وفي المقابل استقر عائد السندات لأجل عامين قرب 4.774% بينما تراجع عائد السندات لأجل 30 عامًا بشكل طفيف إلى 5.538%.
إلا أن العوائد عكست اتجاهها خلال التعاملات المبكرة من الخميس مع ارتفاع الطلب على السندات الحكومية نتيجة موجة بيع حادة في أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليتراجع عائد السندات لأجل 10 سنوات بنسبة 1.6% إلى 5.104% بعدما لامس 5.333% مساء الأربعاء كما انخفضت عوائد السندات لأجل 20 و30 عامًا إلى 5.503% و5.455% على التوالي بينما تراجع عائد السندات لأجل 5 سنوات إلى 4.908% مع اتجاه المستثمرين نحو الأصول الأقل مخاطرة لتعويض تعرض محافظهم لتقلبات أسواق الأسهم.
وجاءت الضغوط على أسهم التكنولوجيا مع تصاعد المخاوف بشأن تأثير ارتفاع تكاليف التمويل على الشركات التي تعتمد بصورة كبيرة على الاقتراض لتمويل استثماراتها خاصة في قطاع الذكاء الاصطناعي حيث تزايدت التساؤلات بشأن قدرة هذه الشركات على الحفاظ على معدلات النمو المتوقعة في بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وانخفض مؤشر ناسداك المركب بنحو 1.9% خلال تعاملات الأربعاء بينما هبط مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 8% يوم الخميس ما أدى إلى تفعيل آلية وقف التداول مؤقتًا وساهمت هذه التراجعات في زيادة الطلب على سندات الخزانة الأمريكية والذهب باعتبارهما من الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون خلال فترات اضطراب الأسواق وهو ما يفسر انخفاض عوائد السندات رغم استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم والسياسة النقدية.
وفي سوق العملات ارتفع الدولار الأمريكي إلى مستوى 102.54 نقطة مسجلًا أعلى مستوياته منذ أبريل 2025 مع تجدد توقعات رفع أسعار الفائدة عقب بيانات التضخم وأظهرت تسعيرات الأسواق ارتفاع احتمال رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال أكتوبر إلى نحو 37% مقارنة بـ22% قبل صدور التقرير إلا أن سيناريو تثبيت الفائدة ظل الأكثر ترجيحًا فيما أشارت تقديرات أخرى إلى احتمال بنسبة 70.6% لرفعها خلال ديسمبر.
وتبقى هذه التوقعات قابلة للتغير مع صدور بيانات اقتصادية جديدة خاصة مؤشر أسعار المنتجين الذي يتضمن بعض المكونات المستخدمة في حساب مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي وقد تدفع أي زيادة إضافية في الضغوط السعرية البنك المركزي إلى إعادة النظر في توقيت قرارات الفائدة لا سيما إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة.
وفي هذا السياق جدد بنك UBS توصيته بشراء الدولار الأمريكي عند التراجعات مستندًا إلى استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وقوة الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مع توقع بقاء الضغوط على اليورو في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه أوروبا وأشار البنك إلى استقرار فارق العائد بين السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات قرب 140 نقطة أساس وهو ما يدعم تفضيله بيع زوج اليورو مقابل الدولار عند الارتفاعات مع ترجيح اختبار مستوى 1.1050 خلال الربع الرابع والإبقاء على مستهدف نهاية 2026 عند 1.1200.
ورغم ظهور مؤشرات على احتمال استقرار أسعار الديزل فإن انخفاض مخزونات الغاز الطبيعي الأوروبية وارتفاع أسعار العقود الآجلة يواصلان الضغط على العملة الموحدة ويرى البنك أن التراجعات الأخيرة في أسهم التكنولوجيا قد تحد مؤقتًا من مكاسب الدولار بينما قد تؤدي بيانات تضخم أمريكية أقل من التوقعات إلى تقليص احتمالات رفع الفائدة وفيما يتعلق بعملات السلع يتوقع UBS إمكانية تعويض الدولار الأسترالي والنيوزيلندي والكندي جزءًا من خسائر سبتمبر مع تفضيل الدولار الكندي للمراكز الشرائية قصيرة الأجل.
وتظل التطورات المرتبطة بأسعار الطاقة من أبرز العوامل المؤثرة في قرارات الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة المقبلة خاصة مع استمرار اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب مع إيران ويرى بعض الاقتصاديين أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع البنك المركزي إلى التعامل مع التضخم باعتباره ضغطًا طويل الأمد وليس مجرد زيادة مؤقتة في الأسعار وهو ما قد يستدعي الإبقاء على سياسة نقدية متشددة أو اتخاذ إجراءات إضافية للحد من التضخم.
وفي المقابل أظهر تقرير عن الاحتياطي الفيدرالي تفاوتًا في مستويات النشاط الاقتصادي بين المناطق الأمريكية حيث سجلت منطقتان نموًا متوسطًا وثلاث مناطق نموًا متواضعًا وأربع مناطق نموًا طفيفًا بينما لم تشهد ثلاث مناطق تغيرًا ملحوظًا وتشير هذه النتائج إلى أن البنك المركزي يواجه معادلة أكثر تعقيدًا بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي ما يجعل بيانات الأسعار وسوق العمل وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي عوامل رئيسية في تحديد اتجاه الدولار وعوائد السندات خلال الفترة المقبلة.
يمكنك الأن الأستفادة من خدمات شركة LDN عبر منصة تداول LDN Global Markets.


