حاولت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية استعادة جزء من خسائرها مع بداية تعاملات اليوم مستفيدة من تراجع نسبي في عوائد سندات الخزانة وأسعار النفط بعد القفزات القوية التي شهدتها خلال الأيام الماضية حيث ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 بنسبة 0.27% في حين صعد ناسداك 100 بنحو 0.48% وأضاف داو جونز 0.2% ورغم هذا التحسن ما زالت تحركات السوق تتسم بالحذر مع اقتراب قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة خاصة بعد أن أصبحت زيادة بمقدار 25 نقطة أساس هي السيناريو الأقرب في تسعير المستثمرين.
وتعرضت الأسهم الأمريكية خلال الجلسات الأخيرة لضغوط واضحة من أكثر من اتجاه أبرزها صعود أسعار النفط وارتفاع عوائد السندات إلى مستويات تاريخية إلى جانب موجة بيع قوية في أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي حسث ارتفاع تكلفة الاقتراض أعاد الضغط على تقييمات شركات النمو التي تعتمد بشكل أكبر على التمويل وهو ما انعكس بصورة أوضح على قطاع التكنولوجيا وفي المقابل ساعد تراجع العوائد من أعلى مستوياتها الأخيرة على تخفيف جزء من هذه الضغوط وفتح المجال أمام محاولة محدودة للتعافي.
وتتجه أنظار المستثمرين إلى قرار الفيدرالي مع توقعات واسعة برفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4.0% وجاءت هذه التوقعات بعد سلسلة من البيانات والتصريحات التي أظهرت أن التضخم ما زال أكثر ثباتاً مما كانت الأسواق تأمل إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة واستمرار قوة بعض مؤشرات سوق العمل كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الفيدرالي خلال الفترة الأخيرة عززت الاعتقاد بأن البنك المركزي ليس في عجلة من أمره لتخفيف السياسة النقدية قبل ظهور إشارات أوضح على عودة التضخم إلى المسار المستهدف.
لكن قرار الفائدة وحده لن يكون المحرك الأساسي للأسواق إذ ينتظر المستثمرون بشكل أكبر ما سيقوله رئيس الفيدرالي كيفن وارش بشأن الأشهر المقبلة والأسواق ستحاول قراءة ما إذا كان رفع الفائدة المرتقب خطوة منفردة لاحتواء الضغوط التضخمية أم بداية لمسار أكثر تشدداً وكان وارش قد أكد في تصريحات سابقة التزام الفيدرالي بإعادة التضخم إلى مستوى 2% وهو ما جعل المتعاملين أكثر حذراً تجاه توقعات خفض الفائدة مستقبلاً.
وفي سوق السندات كان ارتفاع العوائد أحد أبرز مصادر القلق خلال الأسبوع فقد صعد عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 5.03% وهو أعلى مستوى منذ عام 2007 تقريباً قبل أن يتراجع مجدداً إلى نحو 4.994% في التعاملات المبكرة اليوم وتسبب هذا الصعود في زيادة تكاليف التمويل في مختلف أنحاء الاقتصاد بداية من الرهون العقارية وحتى ديون الشركات كما أثر سلباً على شهية المستثمرين تجاه الأصول مرتفعة المخاطر.
وتشير بيانات CME FedWatch إلى أن الأسواق تسعّر باحتمالات مرتفعة رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس وكانت هذه الاحتمالات قد ارتفعت خلال فترة قصيرة بفعل استمرار التضخم وصعود النفط والتصريحات الأكثر تشدداً من مسؤولي البنك المركزي ومع ذلك بدأت العوائد في فقد جزء من زخمها بعد صدور بيانات تصنيع ضعيفة من نيويورك ما أعاد النقاش حول قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل مستويات فائدة مرتفعة لفترة أطول من دون تباطؤ أكثر وضوحاً.
كما عاد جزء من المستثمرين إلى سوق السندات بعد موجة البيع القوية التي امتدت لأسابيع وفي الوقت نفسه دافع وزير الخزانة سكوت بيسنت عن السياسات الاقتصادية لإدارة دونالد ترامب مشيراً إلى أن ارتفاع العوائد يرتبط بعوامل عالمية مع إقراره في الوقت نفسه بأن اتساع العجز المالي الأمريكي يحتاج إلى معالجة وتحاول وزارة الخزانة تهدئة ضغوط السوق عبر زيادة عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل إلا أن العوائد واصلت الصعود في فترات سابقة رغم تلك الإجراءات.
وفي سوق العملات كان الدولار من أبرز المستفيدين من تغير توقعات الفائدة إذ ارتفع مؤشر الدولار إلى 99.66 نقطة مسجلاً أعلى مستوى في أسبوعين وجاءت قوة العملة الأمريكية مع ارتفاع العوائد وزيادة رهانات استمرار السياسة النقدية المتشددة بينما تراجع اليورو قرب أدنى مستوى في شهر إلى 1.1540 دولار في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بالنمو والتضخم في منطقة اليورو وفي الوقت نفسه تراجع الين الياباني إلى 155.12 مقابل الدولار مع استعداد الأسواق لاحتمال قيام بنك اليابان برفع أسعار الفائدة في اجتماعه المرتقب.
وأسعار النفط بدورها زادت من تعقيد الصورة أمام الفيدرالي بعدما واصل خام برنت صعوده إلى 108.40$ للبرميل بينما ارتفع خام غرب تكساس إلى 105.56$ وجاءت المكاسب بعد تقارير عن توقف عمليات تحميل النفط في ميناء سعودي رئيسي على البحر الأحمر إلى جانب تعطل الإنتاج في عدد من الحقول الليبية واستمرار النفط عند هذه المستويات يعيد مخاطر انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى التضخم ويمنح الفيدرالي سبباً إضافياً للإبقاء على موقف متشدد.
ومع اجتماع هذه العوامل أصبح المستثمرون أمام سوق تتحرك بين محاولات التعافي والقلق من بقاء تكلفة الأموال مرتفعة لفترة أطول حيف رفع الفائدة قد يرسل رسالة واضحة بأن الفيدرالي لا يزال ملتزماً بمواجهة التضخم لكنه في المقابل يزيد الضغوط على الشركات والقطاعات الأكثر حساسية لتكلفة الاقتراض لذلك قد يكون رد فعل الأسواق مرتبطاً بدرجة أكبر بنبرة بيان الفيدرالي وتصريحات وارش أكثر من ارتباطه بقرار الرفع نفسه.
ويبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت زيادة الفائدة المتوقعة ستكون خطوة أخيرة قبل العودة إلى الترقب أم أن استمرار التضخم وارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع الفيدرالي إلى الاحتفاظ بخيار المزيد من التشديد هذا العامل سيحدد إلى حد كبير اتجاه الدولار وعوائد السندات وأسهم التكنولوجيا وحتى حركة السلع خلال الفترة المقبلة.
يمكنك الأن الأستفادة من خدمات شركة LDN عبر منصة تداول LDN Global Markets.


