يواصل الدولار الأمريكي الحفاظ على موقع قوي قرب أعلى مستوياته في أسبوعين مستفيدًا من تغير واضح في خريطة المخاطر داخل الأسواق العالمية والتصعيد العسكري في الشرق الأوسط دفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة مجددًا ومعه عادت مخاوف التضخم لتفرض نفسها على تسعير الفائدة والعوائد وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الطلب على العملة الأمريكية مؤشر الدولار وصل إلى 99.79 نقطة وهو أعلى مستوى منذ 17 أغسطس بينما تراجع اليورو إلى 1.1576 في إشارة إلى أن فارق العوائد بين الولايات المتحدة والاقتصادات الرئيسية أصبح عنصرًا أكثر تأثيرًا في حركة العملات خلال هذه المرحلة.
الدعم الذي يحصل عليه الدولار لا يأتي فقط من الطلب الدفاعي المرتبط بالتوترات الجيوسياسية بل من إعادة تسعير واسعة لمسار السياسة النقدية الأمريكية وعوائد سندات الخزانة عادت للصعود بقوة ووصل عائد العشر سنوات إلى مستويات تتجاوز 4.80% بينما تقترب الأسواق تدريجيًا من تسعير رفع جديد للفائدة خلال اجتماع سبتمبر وارتفاع العوائد بهذا الشكل يجعل الاحتفاظ بالدولار أكثر جاذبية وفي الوقت نفسه يضغط على الأسهم والأصول مرتفعة المخاطر خصوصًا شركات التكنولوجيا والنمو التي تتأثر بصورة أكبر بارتفاع تكلفة التمويل.
والعامل الأكثر حساسية حاليًا هو النفط خام برنت يتحرك فوق 95$ للبرميل بينما يتداول خام غرب تكساس قرب 91$ بعد موجة صعود قوية صاحبت تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران واستمرار الأسعار عند هذه المستويات يرفع احتمالات انتقال تكاليف الطاقة إلى مستويات التضخم خلال الأشهر المقبلة وبالتالي يقلل من فرص تخفيف السياسة النقدية ولهذا السبب أصبح السوق يتعامل مع التوترات في مضيق هرمز باعتبارها عاملًا نقديًا بقدر ما هي عامل جيوسياسي لأن أي اضطراب إضافي في حركة الشحن أو الإمدادات قد ينعكس سريعًا على توقعات التضخم والفائدة.
في الوقت نفسه تتعرض أسواق السندات العالمية لموجة بيع واسعة حيث ارتفعت العوائد الأمريكية على مختلف الآجال مع وصول عائد العامين إلى 4.354% والعشر سنوات إلى 4.780% بينما تجاوز عائد الثلاثين عامًا 5.27% والضغوط لم تقتصر على الولايات المتحدة إذ سجلت العوائد الألمانية والفرنسية مستويات هي الأعلى منذ سنوات بينما وصل عائد السندات اليابانية لأجل عشر سنوات إلى 3% للمرة الأولى منذ نحو ثلاثة عقود هذه الحركة تشير إلى أن الأسواق لم تعد تنظر إلى التضخم باعتباره مشكلة أمريكية فقط بل باعتباره خطرًا عالميًا قد يجبر البنوك المركزية على الحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول.
والاحتياطي الفيدرالي أصبح بدوره أكثر وضوحًا في لهجته وتصريحات مايكل بار رفعت من حساسية الأسواق تجاه بيانات التضخم بعدما أشار إلى أن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة قد يستدعي رفع الفائدة مجددًا الاحتمالات السوقية لرفع الفائدة في سبتمبر ارتفعت إلى نطاق يتراوح بين 66% و68% مقارنة بنحو 30% إلى 40% قبل خطاب جاكسون هول هذه القفزة في التسعير جاءت رغم أن بعض البيانات مثل فرص العمل ومؤشر ISM الصناعي جاءت أضعف من المتوقع ما يعني أن السوق يركز حاليًا على خطر التضخم أكثر من تركيزه على تباطؤ النمو.
ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي PCE عند 3.7% والأساسي عند 3.3% يوضحان سبب استمرار موقف الفيدرالي المتشدد والتضخم تراجع كثيرًا عن ذروته السابقة لكنه لا يزال بعيدًا عن هدف 2% كما أن ارتفاع النفط يعقد الصورة من هنا تصبح بيانات الوظائف والتضخم المقبلة حاسمة لأن ضعف سوق العمل بصورة واضحة قد يدفع الفيدرالي إلى التريث بينما استمرار التوظيف عند مستويات مقبولة مع بقاء التضخم مرتفعًا قد يمنحه مبررًا كافيًا لزيادة جديدة في الفائدة خلال سبتمبر أو ديسمبر.
والأسهم الأمريكية بدأت بالفعل في استيعاب هذا التحول العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 تراجعت بينما سجل Nasdaq 100 خسائر أكبر وهو أمر منطقي في بيئة ترتفع فيها الفائدة والعوائد وأسهم التكنولوجيا عادة ما تتعرض لضغط أكبر عندما ترتفع أسعار الخصم لأن جزءًا كبيرًا من تقييماتها يعتمد على أرباح مستقبلية بعيدة نسبيًا وإذا استمر عائد العشر سنوات قرب 4.8% أو تجاوز هذا المستوى فقد نشهد مزيدًا من إعادة تقييم قطاعات النمو بينما تتحسن جاذبية القطاعات الدفاعية والأصول ذات التدفقات النقدية الأكثر استقرارًا.
وفي أسواق العملات كان الدولار النيوزيلندي من أبرز الخاسرين رغم رفع بنك الاحتياطي النيوزيلندي الفائدة إلى 2.75% ورد فعل العملة يكشف أن السوق لم يكن يركز على قرار الرفع نفسه بقدر تركيزه على الرسالة المصاحبة والتي بدت أقل تشددًا من المتوقع لذلك هبط NZD/USD إلى 0.5844 بينما تراجع الجنيه الإسترليني إلى 1.3495 والدولار الأسترالي إلى 0.7133 وقوة الدولار الأمريكي هنا تعكس تفوق العائد الأمريكي وتباين توجهات البنوك المركزية أكثر من كونها مجرد موجة طلب على الملاذات الآمنة.
أما الين الياباني فما زال تحت ضغط واضح قرب 160 ينًا للدولار رغم توقعات رفع بنك اليابان للفائدة وارتفاع العوائد اليابانية لم يكن كافيًا حتى الآن لعكس اتجاه العملة بصورة مستدامة خصوصًا مع بقاء أسعار النفط مرتفعة وهو عامل سلبي لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة والتدخل المشترك الذي حدث في يوليو نجح مؤقتًا في تخفيف الضغط لكن تأثيره تلاشى تدريجيًا وأصبح أي تدخل جديد أكثر صعوبة ما لم تنخفض أسعار النفط أو تهدأ التوترات في مضيق هرمز.
والصورة العامة للأسواق أصبحت مرتبطة بثلاثة محاور رئيسية النفط وعوائد السندات والفيدرالي حيث استمرار النفط فوق المستويات الحالية سيبقي التضخم مصدر قلق واستمرار العوائد الأمريكية قرب قممها سيدعم الدولار ويضغط على الأسهم والذهب والأصول عالية المخاطر بينما ستكون بيانات الوظائف والتضخم المقبلة هي العنصر القادر على تغيير هذه المعادلة وفي الوقت الحالي تميل حركة الأسواق لصالح الدولار والعوائد المرتفعة بينما تبقى الأصول الحساسة للفائدة تحت الضغط إلى أن تظهر إشارات واضحة على تراجع التضخم أو هدوء التصعيد الجيوسياسي.
كن على إطلاع بالأسواق العالمية من خلال تحليلاتنا السابقة كما يمكنك الاستفادة الآن من خدمات شركة LDN عبر منصة تداول LDN Global Markets.


